سيد محمد طنطاوي

79

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى وراء ذلك ، ألا يحفل الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بذلك المتاع الذي آتاه اللَّه - تعالى - لبعض الناس . . . ولا يلقى إليه نظرة اهتمام ، أو نظرة استجمال ، أو نظرة تمن » « 1 » . وقال - سبحانه - هنا * ( لا تَمُدَّنَّ . . . ) * بدون واو العطف ، وقال في سورة طه ولا تَمُدَّنَّ . . . بواو العطف ، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافا بيانيا ، جوابا لما يختلج في نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإملاء والعطاء الدنيوي لبعض الكافرين . ولأن الجملة السابقة عليها وهي قوله * ( ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي . . . ) * كانت بمنزلة التمهيد لها ، والإجمال لمضمونها . أما في سورة طه ، فجملة ولا تَمُدَّنَّ . . . معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ، ومِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى . ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِه أَزْواجاً . . . « 2 » . وقوله - سبحانه - * ( ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) * نهى له صلى اللَّه عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذي ينتظر أعداءه . أي : ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك ، أو لموتهم على ذلك ، أو لأعراضهم عن الحق الذي جئتهم به ، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء ، أما أنت فعليك البلاغ . وقوله - سبحانه - * ( واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) * بيان لما يجب عليه نحو أتباعه ، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه . وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف . أي : وكن متواضعا مع أتباعك المؤمنين ، رؤوفا بهم ، عطوفا عليهم . قال الشوكاني : وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب . . . وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإنسان لأتباعه . . . والجناحان من ابن آدم : جانباه « 3 » . وقوله - سبحانه - : * ( وقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ) * معطوف على ما قبله .

--> ( 1 ) تفسير في ظلال القرآن ج 14 ص 3154 . ( 2 ) سورة طه الآيتان 130 ، 131 . ( 3 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 3 ص 142 .